إبراهيم أبو عواد
المُجتمعُ الحقيقيُّ لا يُؤَسِّس سُلطةً معرفية من
أجل تَغييب العقول ، والتلاعبِ بالمشاعر، واحتكارِ الوَعْي ، وإنَّما يُؤَسِّسها
بهدف تحريرِ التفكير من التقليد الأعمى ، وصناعةِ طبيعة لغوية رمزية قادرة على حمل
الأشواق الروحية والنزعات المادية .
وكُل سُلطة معرفية فاعلة في ذاتها ، وفَعَّالة
للعناصر المُحيطة بها ، لا بُد أن تتجذَّر في اللغة دَلالةً منطقية ، ثُمَّ
تترسَّخ في السُّلوك تجربةً عقلانية ، ثُمَّ تتكرَّس في الواقع مُمَارَسَةً
اجتماعية . وهذه الأطوار الثلاثة تُعيد تعريفَ المجتمع اعتمادًا على التوازن بين
الدَّور الوظيفي ( التطبيق العَمَلي ) والغاية المنشودة ( الحُلْم الجَمْعي ) .
وتأصيلُ
السُّلطة المعرفية في أعماق الواقع المُعاش ، يَكشف الثغراتِ في النظام الشُّعوري
للإنسان ، ويُحدِّد الفجواتِ في علاقة المعرفة بالزمان والمكان . وهذا يُوضِّح
أهميةَ السُّلطة المعرفية باعتبارها ظاهرةً ثقافيةً ونظامًا اجتماعيًّا قادرًا على
كشف العُيوب بُغية تصحيحها .
وكُل
فِكْر إنساني يَمتلك حركةً تصحيحية ذاتية نابعة مِن كِيانه ، وغَير مفروضة عليه من
العناصر الخارجية ، يُمثِّل فِكْرًا إبداعيًّا مُتحرِّرًا من الأوهام والضغوطات
والمُسلَّمات الافتراضية ، والمنظومةُ الفكرية الحُرَّة قادرة على تحرير العلاقاتِ
الاجتماعية بين البشر ، والعلاقاتِ المادية بين عناصر البيئة ومُكوِّنات الطبيعة .
وحريةُ الكِيان ( البُنية القائمة بذاتها
والمَوجودة في مجالها الحيوي ) شَرْط لتحرير الكَينونة ( الوجود المُشتمل على
الشعور والتفكير والعمل ) . ووَحْدَها الذات الحُرَّة قادرة على تحرير غَيْرها .
والعلاقةُ بين السُّلطة
المعرفية والعلاقات الاجتماعية تُحدِّد طبيعةَ الظواهر الثقافية ، وتُكوِّن
الدَّلالاتِ اللغوية الخاصَّة بسياقات المجتمع ، وتبني أُسُسَ تأويل السلوك
الإنساني ، مِمَّا يَدفع باتجاه تطويرِ الفكر المعرفي ، وربطِ البُنية العميقة في
الفِعل الاجتماعي بالبُنية السطحية ، وهذا يَمنع الصِّدامَ بين الذات والموضوع ،
ويُلغي احتماليةَ ظُهورَ التناقض والتعارض بين الشُّعور وامتداده في حَيِّز الزمان
والمكان ، ويَحفظ جوهرَ المعنى الوجودي من التَّشَظِّي بسبب ضَغط الأطراف على
المركز . والإشكاليةُ الخطيرة التي تُواجِه مسارَ العلاقات بين الإنسان ومعاني
الأشياء هي مُحاولة سيطرة الهامش على المَتْن ، وهذا يستلزم اختراع صِرَاع بين
اللفظ اللغوي والمعنى الاجتماعي ، مِمَّا يُفْقِد اللغةَ طاقتها الرمزيةَ ،
ويُحوِّل العلاقاتِ بين البشر إلى تراكمات فوضوية في مجتمع الشظايا . لذلك ، يجب
إبعاد مفاهيم الصِّراع والصِّدام والفوضى عن الإنسان والمجتمع ، لأن هذه المفاهيم
تمنعَ عمليةَ البناء الاجتماعي على قاعدة إنسانية صُلبة ، وكُل بناء لا يتأسَّس
على قاعدة صُلبة ، سينهار عاجلًا أَمْ آجِلًا .
وقُوَّةُ التفاعل
الاجتماعي تنبع مِن الأفكار المُنضبطة بالوَعْي، التي تَصنع مِن البُنى الشعورية
الإنسانية منظومةً أخلاقية عَصِيَّة على التَّمَزُّق والتَّشَظِّي . وصياغةُ
مفاهيم أخلاقية مُتماسكة ضِمن الإطار الاجتماعي العقلاني ، تُمثِّل الضَّمانةَ
الأكيدة لمنع تحوُّل السُّلطة المعرفية إلى ماهيَّة احتكارية ، تُجرِّد الإنسانَ
مِن إنسانيته ، من أجل السيطرة عليه ، والتَّحَكُّم بمساره ، والهَيمنة على مصيره
. ولن يتقدَّم المجتمعُ الإنساني إلا إذا تحوَّلت المعرفة الاجتماعية إلى لُغة
رمزية تقتل الوَحْشَ داخل الإنسان بُغية إحيائه ، ولا تَقتل الإنسانَ بُغية إحياء
النَّزعة الاستهلاكية على أنقاضه .
ما هو تقيمك للخبر :
